الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
201
نفحات القرآن
مقوّمات التقوى والنزاهة فإنّهم سوف يعودون إلى اللَّه وسوف يرون نتائج أعمالهم في دار البقاء . على أيّة حال فإنّ جملة « وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ » هي تقرير لهذه الحقيقة وهي أنّ سير الإنسان التكاملي لا ينتهي بالموت وسوف يستمر حتى يلاقي اللَّه . قال المفسر الكبير المرحوم الطبرسي في تفسير الآية الثالثة من آيات بحثنا : « قالوا إنّا للَّه » هذا إقرار بالعبودية أي نحن عبيد اللَّه وملكه « وإنّا إليه راجعون » هذا إقرار بالبعث والنشور ، أي نحن إلى حكم اللَّه نصير ، ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام : « إنّ قولنا « إِنَّا لِلَّهِ » إقرارٌ على أنفسنا بالملك ، وقولنا « وَإِنَّا الَيه رَاجِعُونَ » إقرارٌ على أنفسنا بالهلك » « 1 » . ومن الجدير بالذكر إنّ القرآن المجيد ذكر هذه العبارة بعنوان كأفضل ما يقوله الصابرون عند حلول المصائب بهم . . . فهي عبارة تزيل الهم عن الإنسان عند حلول المصائب وتوقظ قلبه وروحه عند مواجهة الصعاب وتطرد وساوس الشيطان عن روح الإنسان في تلك اللحظات الحساسة ، وذلك لأنّه يعترف من ناحية بأنّه وجميع ما يملك ملك للَّه ، فهو الذي يعطي النعم وهو الذي يسلبها ، وقد قال بعض المفسرين في مجال سلب النعم : بما أنّ الكريم لا يسلب ما وهب فإنّ سلبه يعتبر ادخار ذلك لموضع أفضل ، وهذا بعينه يعتبر مواساة لمن حلت به المصيبة . ومن ناحية أخرى فإنّه عندما يعترف بالرجوع إليه فإنّ هذا التعبير هو مواساة أخرى لأنّه يعني الرجوع إلى مركز فيضه ولطفه ورحمته والرجوع نحو دار الخلد وموعد اللقاء مع اللَّه . لذا قال البعض : إنّ هذه العبارة من المواهب الإلهيّة العظيمة التي منَّ بها اللَّه على هذه الأمة كي يستعينوا بها في المصائب ، وكم من فرقٍ شاسع بين هذه الآية وبين كلام نبي اللَّه يعقوب عليه السلام الذي قال عندما فقد يوسف عليه السلام : « وَقالَ يا اسَفَى عَلى يُوْسُفَ » . ( يوسف / 84 ) أجل إنّ جملة الاسترجاع هذه لم تكن نازلة حينذاك .
--> ( 1 ) تفسير مجمع البيان ، ج 1 ، ص 238 ، وقد وردت هذه العبارة أيضاً في نهج البلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 99 .